عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
46
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
* ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * بأن الحوادث كلها من اللَّه بوسط أو غيره . قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) * ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) * أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي ، وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن . * ( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ) * لا تيأسوا من مغفرته أولا وتفضله ثانيا . * ( إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) * عفوا ولو بعد بعد وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى : * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ) * الآية ، والتعليل بقوله : * ( إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) * على المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة ، وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في * ( عِبادِيَ ) * من الدلالة على الذلة ، والاختصاص المقتضيين للترحم ، وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة ، وإطلاقها وتعليله بأن اللَّه يغفر الذنوب جميعا ، ووضع اسم * ( اللَّه ) * موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق والتأكيد بالجميع . وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال « ما أحب أن تكون لي الدنيا وما فيها بها ، فقال رجل يا رسول اللَّه ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال : ألا ومن أشرك ثلاث مرات » . وما روي أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الوثن وقتل النفس بغير حق لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس فنزلت . وقيل في عياش والوليد بن الوليد في جماعة افتتنوا أو في الوحشي لا ينفي عمومها وكذا قوله : * ( وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) * فإنها لا تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغني عن التوبة والإخلاص في العمل وتنافي الوعيد بالعذاب . واتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه وإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) * ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) * القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه ، أو العزائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ ، ولعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة . * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) * بمجيئه فتتداركوا . * ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) * كراهة أن تقول وتنكير * ( نَفْسٌ ) * لأن القائل بعض الأنفس أو للتكثير كقول الأعشى : وربّ بقيع لو هتفت بجوّه * أتاني كريم ينفض الرّأس مغضبا * ( يا حَسْرَتى ) * وقرئ بالياء على الأصل . * ( عَلى ما فَرَّطْتُ ) * بما قصرت . * ( فِي جَنْبِ اللَّه ) * في جانبه أي في حقه وهو طاعته . قال سابق البربري : أما تتّقين اللَّه في جنب وامق * له كبد حرّى عليك تقطَّع وهو كناية فيها مبالغة كقوله : إنّ السّماحة والمروءة والنّدى * في قبّة ضربت على ابن الحشرج وقيل ذاته على تقدير مضاف كالطاعة وقيل في قربه من قوله تعالى : * ( والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ) * وقرئ « في ذكر اللَّه » . * ( وإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) * المستهزئين بأهله ومحل * ( إِنْ كُنْتُ ) * نصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر .